٠٤‏/١١‏/٢٠٢٦، ١٠:٤٤ ص

الحرب مع إيران ونهاية عصر الهيمنة الأمريكية

الحرب مع إيران ونهاية عصر الهيمنة الأمريكية

تكشف المواجهة الأمريكية مع إيران عن حدود القوة العسكرية لواشنطن، وتثير تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية في نظام دولي يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى.

وكالة مهر للأنباء: تثير تداعيات العدوان الأمريكي والصهيوني على إيران تساؤلات جدية بشأن مستقبل مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي، في ظل تصاعد مؤشرات التحول في موازين القوى العالمية ومواجهة واشنطن قيوداً متزايدة على قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها أزمة أمنية إقليمية فحسب، بل ينبغي تناولها في سياق التحولات الأوسع في النظام العالمي والتحديات التي تواجه الهيمنة الأمريكية.

وأشار نيك دانفورث، في تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» بعنوان «لا أحد لديه خطة للتراجع الأمريكي»، إلى أحد أبرز تحديات السياسة الخارجية الأمريكية، والمتمثل في افتقار واشنطن، رغم عقود من الهيمنة الدولية، إلى رؤية واضحة لموقعها في عالم المستقبل. ويرى الكاتب أن الهيمنة الأمريكية خلال القرن العشرين أسهمت في توسيع التجارة العالمية وزيادة ثروة الولايات المتحدة، لكنها اقترنت أيضاً بتدخلات عسكرية وحروب بالوكالة خلّفت تكاليف بشرية وسياسية باهظة على مجتمعات أخرى.

ويكشف هذا التحليل عن حقيقة أساسية، وهي أن الهيمنة الأمريكية استندت دائماً إلى مزيج من القوة الاقتصادية والعسكرية والنفوذ السياسي والقدرة على صياغة القواعد الدولية. غير أن التغيرات العالمية جعلت الحفاظ على هذه الهيمنة، خلافاً لما كان عليه الحال في السابق، أمراً لم يعد مضموناً. وفي هذا السياق، تحولت المواجهة مع إيران إلى أحد الاختبارات المهمة لقدرة واشنطن على الحفاظ على مكانتها واستعادة مصداقية قوتها.

وهم النصر السريع وسوء حسابات واشنطن

من أبرز أبعاد المواجهة الأمريكية مع إيران الحسابات الأولية لواشنطن بشأن طبيعة هذه المواجهة وتداعياتها. ويبدو أن صناع القرار الأمريكيين، اعتماداً على التفوق التسليحي والتكنولوجي، توقعوا تحقيق أهدافهم خلال فترة قصيرة، ثم فرض واقع جديد على إيران بتكاليف محدودة. وقد استند هذا النهج إلى تصور للقوة يعتبر التفوق العسكري مرادفاً للقدرة على حسم النتائج السياسية والاستراتيجية لأي مواجهة.

لكن تجربة هذه المواجهة أظهرت أن القدرة على توجيه ضربات عسكرية وتحقيق الأهداف السياسية أمران مختلفان إلى حد كبير. فالقوة العسكرية، رغم كونها أحد أهم مقومات القوة الوطنية، لا تستطيع بمفردها كسر الإرادة السياسية لدولة أو تحديد النتيجة النهائية للتطورات. وأظهرت إيران، من خلال مواصلة المقاومة والحفاظ على قدراتها على الرد، أن الحسابات القائمة على تحقيق نصر سريع ومنخفض التكلفة تواجه قيوداً جدية.

ومن هذا المنظور، لا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى واشنطن على التكاليف العملياتية والعسكرية، بل تتمثل أيضاً في صعوبة تحويل المكاسب العسكرية إلى نتيجة سياسية مستدامة. فعندما لا تتحقق الأهداف الأولية، ويكتنف الغموض سبل الخروج من الأزمة، تتأثر مصداقية القرار الاستراتيجي وقدرة القوة الكبرى على الردع.

إيران تكشف حدود القوة الأمريكية

تكمن أهمية المواجهة مع إيران في أن تداعياتها لا تقتصر على الحدود الجغرافية للمنطقة. فقد سعت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية إلى الحفاظ على دورها المحوري في المعادلات العالمية، مستندة إلى شبكة من الحلفاء والقواعد العسكرية والإمكانات الاقتصادية والتفوق التكنولوجي. وقد أتاحت هذه الشبكة لواشنطن الحضور في مناطق مختلفة من العالم والتأثير في التطورات الأمنية والسياسية.

لكن أي إخفاق في توظيف هذه الإمكانات لتحقيق الأهداف المعلنة يثير تساؤلات بشأن فاعلية هذا النموذج من القوة. فقد يعيد حلفاء الولايات المتحدة النظر في مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، فيما قد يأخذ منافسوها هذه التطورات باعتبارها مؤشراً على حدود القوة الأمريكية عند صياغة حساباتهم الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تكتسب التداعيات الاقتصادية أهمية خاصة؛ إذ إن اضطراب أمن الطاقة وارتفاع تكاليف النقل وحالة عدم اليقين في طرق التجارة يمكن أن تنقل آثار المواجهة إلى الاقتصاد العالمي. وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لأن جانباً مهماً من هيمنتها التاريخية لم يستند إلى القوة العسكرية وحدها، بل إلى موقعها في الاقتصاد العالمي وقدرتها على الاستفادة من شبكات التجارة والاستثمار الدوليين.

ويؤكد نيك دانفورث في تحليله هذا الترابط، محذراً من أن تراجع القوة الأمريكية لا يعني بالضرورة انخفاض التكاليف العالمية لهذا التحول على المواطنين الأمريكيين. ففي عالم باتت فيه الاقتصادات وأمن الدول أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، يمكن أن ينعكس تراجع الاستقرار الدولي مباشرة على مستوى الرفاه والأمن داخل الولايات المتحدة.

نهاية مرحلة أم بداية نظام جديد؟

من المهم عدم الخلط بين تراجع الهيمنة الأمريكية وانهيار القوة الأمريكية بصورة فورية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك إمكانات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية وسياسية واسعة، ولم تظهر حتى الآن قوة واحدة قادرة على الحلول محلها في جميع مقومات القوة. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين امتلاك القوة والقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية مرغوبة.

ومن المرجح أن يتأثر النظام الدولي المقبل، أكثر من السابق، بتعدد مراكز القوة وتوازنات إقليمية وعالمية متباينة. وفي ظل هذه الظروف، ستتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها على الأطراف الأخرى، وستكون مضطرة إلى مراعاة قيود أكبر عند السعي إلى تحقيق أهدافها.

وقد تسهم المواجهة مع إيران في تسريع هذا المسار، بعدما أظهرت أن حتى القوة الكبرى لا تستطيع، في مواجهة دولة تمتلك قدرات دفاعية وجغرافية واستراتيجية مؤثرة، تحديد مسار الأحداث اعتماداً على تفوقها التسليحي وحده.

وفي نهاية المطاف، لعل أبرز تداعيات هذه المواجهة بالنسبة إلى الولايات المتحدة تتمثل في كشف الفجوة بين تصور واشنطن لقوتها والواقع الجديد للنظام الدولي. فقد دخلت الولايات المتحدة، عبر عدوانها على إيران، مساراً كان يفترض أن يؤدي إلى استعراض قوتها وترسيخ هيمنتها، غير أن استمرار المقاومة الإيرانية وعدم تحقيق الأهداف المعلنة بالسرعة المتوقعة زادا من التكاليف الاستراتيجية والسياسية لهذا القرار.

ولم يعد السؤال المطروح اليوم مقتصراً على كيفية إنهاء هذه المواجهة، بل يتجاوز ذلك إلى كيفية إدارة واشنطن لموقعها في عالم لم يعد خاضعاً لإرادة قوة واحدة كما كان في السابق. وربما تكمن أكبر مشكلة تواجه الولايات المتحدة، كما يحذر دانفورث، في أنها لا تملك خطة واضحة للتعامل مع مرحلة ما بعد الهيمنة العالمية. وقد حولت المواجهة مع إيران هذا التساؤل من نقاش نظري إلى تحدٍّ ملموس في السياسة الخارجية الأمريكية.

انتهى/

رمز الخبر 1975255

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha